محمود محمود الغراب
79
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
التي وسعت كل شيء ، وهو المعبر عنه بالعرش ، فيجد هنالك من الحقائق الملكية ، إسرافيل وجبريل وميكائيل ورضوان ومالك ، ومن الحقائق البشرية ، آدم وإبراهيم ومحمدا سلام اللّه عليهم ، فيجد عند آدم وإسرافيل علم الصور الظاهرة في العالم ، المسماة أجساما وأجسادا وهياكل ، سواء كانت نورية أو غير نورية ، ويجد عند جبريل ومحمد عليهما السلام ، علم الأرواح المنفوخة في هذه الصور التي عند آدم وإسرافيل ، فيقف على معاني ذلك كله ، ويرى نسبة هذه الأرواح إلى هذه الصور ، وتدبيرها إياها ، ومن أين وقع فيها التفاضل ، مع انبعاثها من أصل واحد ؟ وكذلك الصور ، علم من هذه الحضرة ذلك كله ، ويعلم من هذه الحضرة علم الأكاسير ، التي تقلب صور الأجساد بما فيه من الروح ، وينظر إلى ميكائيل وإبراهيم عليهما السلام ، فيجد عندهما علم الأرزاق ، وما يكون به التغذي للصور والأرواح ، وبماذا يكون بقاؤها ، ثم ينظر إلى رضوان ومالك ، فيجد عندهما علم السعادة والشقاء ، والجنة ودرجاتها ، وجهنم ودركاتها ، وهو علم المراتب في الوعد والوعيد ، ويعلم حقيقة ما تعطي كل واحدة منهما ، وإذا علم هذا كله ، علم العرش وحملته وما تحت إحاطته ، وهو منتهى الأجسام ، وليس وراءه جسم مركب ذو شكل ومقدار . المعراج المعنوي : فإذا علم هذا كله ، عرج به معراجا آخر معنويا - في غير صورة متخيلة - إلى مرتبة المقادير ، فيعلم منها كميات الأشياء الجسمية وأوزانها ، في الأجسام المقدرة من المحيط إلى التراب ، وما فيهن وما بينهن من أصناف العالم ، الذين هم عمار هذه الأمكنة ، ثم ينتقل إلى علم الجوهر المظلم الكل ، الذي لا جزء له ولا صورة فيه ، وهو غيب كلّ ما وراءه من العالم ، ومنه ظهرت هذه الأنوار والضياءات في عالم الأجسام ، وهي الأنوار المركبة ، سلخت من هذا الجوهر فبقي مظلما ، ثم ينتقل من هذا المقام إلى حضرة الطبيعة البسيطة فيعلم حكمها في الأجسام مطلقا ، من اختلاف تركيبها وأحوالها ، ومن أين وقع الغلط لبعض الطبيعيين فيما غلطوا فيه من العلم بأحكامها ؟ وذلك لجهلهم بالعلم بذاتها ، فصاحب هذا الكشف يعلم ذلك كله ، ثم ينتقل من النظر في ذلك إلى شهود اللوح المحفوظ ، وهو الموجود الانبعاثي عن القلم ، وقد رقم اللّه فيه ما شاء من الكوائن في العالم ، فيعلم هذا